• النوع أخبار عامة
  • التاريخ 10th November 2021

مؤتمر المناخ (COP26): تغير المناخ والتزام المملكة العربية السعودية بالحلول المناخية

د. فهد التركي، نائب الرئيس للأبحاث بمركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية

 

لا شك في أن مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP26) هذا العام سيكون له تداعيات هائلة. فقد أكسبته أهميته لقب اللحظة الحاسمة في العالم، وهو بمثابة تقرير مرحلي مدته خمس سنوات بشأن التزامات الدول باهداف اتفاقية باريس لعام 2015 بشأن تغير المناخ.

مؤتمر المناخ (COP26) بمثابة منصة تتاح فيها للدول فرصة استعراض التقدم المحرز في مسيرتهم للتخفيف من انبعاثات الكربون وإعادة النظر في كيفية تخطيطهم لتحقيق أهدافهم لصافي الانبعاثات الصفرية طويلة الأجل. ومع قرب انتهاء الدورة الأولى من تقييمات التقدم المحرز، يتوقع العالم أن الدول في مؤتمر المناخ (COP26) – التي تمثل مجتمعة أكثر من 80% من انبعاثات الكربون في العالم – تظهر نوايا إيجابية للإبقاء على الأمل في منع ارتفاع درجات الحرارة. فقد حان الوقت للتفكير الجاد والمصالحة والتغير.

من خلال مشاركة نفس الاهتمامات البيئية مع بقية العالم، تقر المملكة العربية السعودية بالحاجة الملحة لثني منحنى انبعاثات الكربون العالمية وتسريع الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون. ومن جانبها، تعهدت المملكة مؤخرًا بتحقيق أهدافها لصافي الانبعاثات الصفرية بحلول عام 2060، وتخصيص أكثر من 180 مليار دولار لهذا الجهد.

أعلنت المملكة قبل مشاركتها في مؤتمر المناخ (COP26) عن خطتها لصافي الانبعاثات الصفرية أثناء إطلاق مبادرة السعودية الخضراء. وأشاد قادة العالم وخبراء البيئة بهذه المبادرة التي وضعت المملكة بين كبار قادة العمل المناخي، حيث التزمت مع عدة دول بمبادرة خفض انبعاثات الميثان العالمية بنسبة 30% وانبعاثات الكربون السنوية بمقدار 278 مليون طن بحلول عام 2030. هذه التدابير الجريئة لخفض الانبعاثات لا تضاعف تعهد المملكة السابق فحسب، بل تساعد أيضًا في رفع سقف الطموحات العالمية.

بالإضافة إلى موازنة انبعاثات الكربون واتباعًا لهدف مؤتمر المناخ (COP26) في القضاء على إزالة الغابات العالمية، التزمت مبادرة السعودية الخضراء باحتجاز 200 مليون طن من انبعاثات الكربون عن طريق زراعة 450 مليون شجرة وإعادة تأهيل ثمانية ملايين هكتار من الأراضي المتدهورة بحلول عام 2030.

على الرغم من ذلك، فإن طموح السعودية الأخضر يدعم المجتمع الدولي في مواجهة التحديات البيئية ويتيح فرصًا مغرية للمستثمرين في الطاقة وفرص عمل جيدة للجيل القادم من القادة في المملكة.

ولكن بالنظر إلى المستقبل، تدرك السعودية أن خطر التغير العالمي يثير القلق اللامحدود. لذلك خصصت المملكة مليار دولار على نحو استباقي لجهود تغير المناخ كونها جزءًا من صندوق إقليمي يبلغ 10.4 مليار دولار لخفض انبعاثات الكربون في الشرق الأوسط. تشمل هذه المبادرات خططًا لإنشاء مركز إقليمي لاحتجاز الكربون وتخزينه، ومركز إقليمي للإنذار المبكر بالعواصف، وبرنامج إقليمي لاستمطار السحب، ومركز إقليمي لتغير المناخ.

بالإضافة أن المملكة تدرك أيضا – كونها تتخذ النهج العملي – أن الهدف النهائي لصافي الانبعاثات الصفرية سيستغرق وقتًا طويلًا لتحقيقه. وعلى الرغم من أن أكثر من 180 دولة تشترك حاليًا في نفس الهدف لصافي الانبعاثات الصفرية، إلا أنه في الحقيقة لا يوجد حل واحد يناسب الجميع بسبب الاختلافات المعقدة بين الدول.

وضعت المملكة  لإدارة هذه التعقيدات – عن طريق وزارة الطاقة والنظام البيئي للطاقة السعودية – إطار عمل الاقتصاد الدائري للكربون في صميم استراتيجيتها الخاصة بتغير المناخ. يمكّن إطار عمل الاقتصاد الدائري للكربون – الذي ابتكرته المملكة واعتمده قادة العالم خلال قمة مجموعة العشرين العام الماضي – الدول من إدارة انبعاثاتها الكربونية حسب طريقتها ووتيرتها الخاصة، مع مراعاة ظروفها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الوطنية. تعمل الاستراتيجيات الأربع لإطار العمل – خفض انبعاثات الكربون ومنتجاته وإعادة تدويرها وإعادة استخدامها وإزالتها – كونها دليل شامل لتحقيق صافي الانبعاثات الصفرية من خلال خطوات تدريجية فعالة من حيث التكلفة.

طور مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك) مؤشر الاقتصاد الدائري للكربون من أجل تتبع التغيرات التدريجية كونها خطوات أساسية لهدف مستدام طويل الأجل. يرسم المؤشر – الذي تم الإعلان عنه في مؤتمر المناخ (COP26) في غلاسكو – صورة عالمية لأنظمة الطاقة المختلفة من خلال توحيد أداء إدارة الدول للكربون وتصنيفه باستخدام المقاييس المشتركة.

بينما يحرص كابسارك على دفع الممارسات الملائمة بيئيًا بين الدول، فإن مؤشر الاقتصاد الدائري للكربون هو كذلك مصدر قوة لمجتمع الأعمال الدولي الذي يؤدي دورًا كبيرًا في الانتقال العالمي إلى صافي الانبعاثات الصفرية. حتى اليوم، التزمت أكثر من 200 شركة – تشترك في إنتاج أكثر من 1.8 تريليون دولار من الإيرادات السنوية وتوظف أكثر من 7 ملايين شخص في 26 قطاع في 21 دولة – بإزالة 1.98 مليار طن متري من انبعاثات الكربون بحلول عام 2040، وهذا يعادل 5.4% من الانبعاثات السنوية العالمية الحالية.

ومن هذا المنطلق، أنتج باحثونا أكثر من 20 نموذجًا إنمائيًا، و1800 مجموعة من البيانات، و14 أداةً بحثيًا تدرس مجموعة كاملة من القضايا المتعلقة بالطاقة. ونحن على استعداد لدعم صانعي القرار في الحكومات والشركات، والتنبؤ بالمخاوف الاقتصادية والطاقية المستقبلية، وتشكيل سياسات الطاقة لمستقبل مستدام، وأخيرًا دعم التزامات صافي الانبعاثات الصفرية التي يتبناها العالم.

وختامًا، تُظهر مشاركة السعودية ودعمها الكامل لمؤتمر المناخ (COP26) التزامها بمواجهة تغير المناخ وحماية البيئة. وهذا يتوافق مع استراتيجيتها لرؤية 2030 لتنويع الاقتصاد بعيدًا عن الاعتماد على النفط.

سيستكشف كابسارك مع النظام البيئي للطاقة السعودية والمشاركين في مؤتمر المناخ (COP26) حلولًا عملية وقابلة للتحقيق لمعادلة صافي الانبعاثات الصفرية العالمية. وسيبحث عما يتطلبه الأمر لإحداث الفرق؛ الحاجة إلى إزالة الكربون عن الصناعات، والتخلص من الطاقة الكهربائية العاملة بالفحم، وتحقيق الاستدامة المالية، والقضاء على إزالة الغابات.

نحن نتشارك في كوكب واحد ولكل منا صوته الخاص. ومن المهم أن يكون صوت الجميع حاضرًا ومسموعًا، وأن نعمل معًا لبناء مستقبل مقاوم لتغير المناخ للجميع. لذا فمن المهم أن  يكون مؤتمر المناخ (COP26) جهدًا تعاونيًا، وأن يعمل جميع الأطراف  بذكاء واجتهاد معا على التصدّي لتحديات أزمة المناخ .

 

نشرت هذه المقالة مسبقًا في جريدة الشرق الأوسط