تبرز تقنية التمعدن المعزَّز خارج الموقع (Ex situ enhanced mineralization) بوصفها أحد المسارات الواعدة للاستفادة من ثاني أكسيد الكربون وإزالته، عبر عزله الدائم في صورة كربونات معدنيّة مستقرة باستخدام نفايات صناعية ومعادن سيليكات. وفي هذا الإطار، أصدر مركز الملك عبدالله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك) ورقة نقاش ترمي إلى تقييم قابلية تطبيق هذه التقنية في المملكة العربية السعودية من خلال تحليل وفرة النفايات الصناعية القلوية الغنية بالفلزات وقدرتها على عزل ثاني أكسيد الكربون.


*تحويل ثاني أكسيد الكربون من حالته الغازية إلى حالة معدنية مستقرة

لم يعد الاكتفاء بخفض الانبعاثات وحدَه كافيًا لتحقيق الحياد الصفري. فالتقارير الدولية، وفي مقدمتها تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) ، تؤكد أن تقنيات إزالة ثاني أكسيد الكربون (Carbon dioxide removal) مطلوبة لتحقيق المستهدفات العالمية والوطنية لصافي الانبعاثات الصفري.

وفي هذا السياق، تسعى المملكة إلى مواءمة ثقلها الصناعي مع طموحاتها المناخية، مستندةً إلى إطار الاقتصاد الدائري للكربون الذي يجعل من الإزالة ركيزة إضافية للخفض وإعادة الاستخدام والتدوير. ويأتي التمعدن المعزَّز خارج الموقع ضمن هذه الرؤية، بوصفه حلًا يجمع بين معالجة الانبعاثات وإدارة النفايات الصناعية في آنٍ واحد.

من الغلاف الجوي إلى مركبات مستقرّة

يرتكز التمعدن المعزَّز خارج الموقع (Ex Situ Enhanced Mineralization) على تفاعلات كيميائية محكومة بين ثاني أكسيد الكربون ومعادن أو نفايات صناعية قلويّة، مثل: خَبث الحديد ، وغبار أفران الأسمنت، والجبس الفوسفاتي، والطين الأحمر، إضافةً إلى معادن طبيعية مثل البازلت. وبدلًا من أن يبقى ثاني أكسيد الكربون في الغلاف الجوي، يتحول إلى مركَّبات معدنيّة صلبة ومستقرة يمكن تخزينها بأمان، أو إعادة استخدامها في قطاعات البناء والطرق والأسمنت.

"" تكمن أهمية هذا الخيار بالنسبة إلى المملكة في مرونته الجغرافية؛ إذ لا يتطلب تكوينات جيولوجية خاصة، ويمكن دمجه مباشرة في المواقع الصناعية القائمة، بما ينسجم مع طبيعة المشهد الصناعي السعودي القائم على المجمعات الكبرى. ""

ويمتاز هذا المسار بأنه عملية صناعية تُنفَّذ داخل مفاعلات خاضعة لظروف دقيقة من حيث الضغط والحرارة، وهو ما يسمح بتسريع التفاعل مقارنةً بعمليات التجوية المعزَّزة (Enhanced weathering) الطبيعية التي قد تستغرق عقودًا لتحقيق الأثر نفسه. وتشير التقديرات إلى أن طنًّا واحدًا من المواد الأوليّة يمكنه عزل ما بين 0.27 و0.63 طنًّا من ثاني أكسيد الكربون، وهو معدل مرتفع يعزز جاذبية التقنية، رغم أن تكلفتها مرتفعة مقارنةً بالتمعدن داخل الموقع.

وتكمن أهمية هذا الخيار بالنسبة إلى المملكة في مرونته الجغرافية؛ إذ لا يتطلب تكوينات جيولوجية خاصة، ويمكن دمجه مباشرة في المواقع الصناعية القائمة، بما ينسجم مع طبيعة المشهد الصناعي السعودي القائم على الـمجمعات الكبرى.

إمكانات صناعية وفرص نمو

تمتلك المملكة قاعدة صناعية مؤهلة لتطبيق التمعدن المعزَّز خارج الموقع على نطاق ملموس. فمن خلال تحليل ستة أنواع رئيسة من النفايات الصناعية، خلصت ورقة النقاش إلى تقدير الإمكانات التقنية وفق الوضع الراهن بالقدرة على عزل نحو 4.9 ملايين طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًّا.

وتتصدر صناعتا الأسمنت والأسمدة الفوسفاتية هذه الإمكانات، مستحوذتين على أكثر من ثلثي القدرة الإجمالية، في حين تسهم مخلَّفات البازلت وخبث الصلب وتكرير الألومينا والبترول في استكمال المشهد. ومع افتراض استمرار نمو هذه القطاعات وفق السياسات الحالية، يمكن أن ترتفع القدرة الإجمالية إلى نحو 9.6 ملايين طن سنويًّا بحلول عام 2060؛ أي ما يقارب ضعف الـمستوى الحالي. وعلى الرغم من أن هذه الكميّات تمثِّل نسبة محدودة من إجمالي الانبعاثات المتوقعة، فإن أهميتها تكمن في قيمتها النوعية؛ إذ تجمع بين إزالة الكربون وتقليل النفايات الصناعية وتحويلها إلى مواد ذات قيمة اقتصادية، بما يعزِّز منطق الاقتصاد الدائري للكربون.

الجغرافيا والتحديّات

يُظهر التحليل المكاني تفاوتًا واضحًا في توزيع الفرص. فالمناطق الصناعية الكبرى، مثل المنطقة الشرقية ومكة المكرمة والرياض، تحظى بإمكانات أكبر نظرًا لارتفاع كثافة المصانع، لكن نسب الاستغلال مقارنةً بإجمالي الانبعاثات تبقى محدودة. في المقابل، تبرز مناطق مثل الحدود الشمالية والباحة بوصفها أكثر كفاءة من حيث نسبة عزل الكربون إلى الانبعاثات، وهو ما يجعلها نقاط انطلاق مناسبة للمشروعات التجريبيّة.

كما تشير ورقة النقاش إلى أن المجمعات الصناعية المتكاملة في رأس الخير والجبيل وينبع وجازان تمثّل بيئة نموذجية لتطبيق هذه التقنية، نظرًا لقرب مصادر النفايات من مصادر ثاني أكسيد الكربون، وهذا ما يقلّل تكاليف النقل ويعزّز التكامل الصناعي.

ومع ذلك، لا تخلو الصورة من تحديات. فالتمعدن المعزَّز خارج الموقع عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة، وتُقدَّر تكلفتها بما بين 50 و100 دولار للطن الواحد من ثاني أكسيد الكربون المعزول. كما تفرض الجوانب البيئية واللوجستية تحديات إضافية تتعلق باستهلاك المياه، واستخراج المعادن، ونقل النفايات والغاز.

وتؤكد ورقة النقاش أن تجاوز هذه العقبات يتطلب الاعتماد على الطاقة المتجددة، واستغلال حرارة النفايات الصناعية، وتطوير المفاعلات والمحفزات، إلى جانب سياسات تحفيزية تشمل تسعير الكربون وأرصدة الإزالة والدعم الاستثماري.

 
الباحث

ناصر عودة